.
 

ثمانية و أربعين

لكي نعرف حقيقة من كانوا، نحتاج إلى سماعهم، وليس من حكموهم، أو من جلدوهم، ولكن يظهر أن "هم" ليس بإمكانهم أن يكونوا، على الأقل بالنسبة لنا، شيء آخر غير الخيال الذي خلقه حكامهم وجلادينهم.
هوسيه باردو، الحميمية، 1996

 
 

عمل بركات يتكون من 48 صندوق، رقم منوط على مخاطرة بشكل مطلق. كانت سنة 1948 مهمة بالنسبة للشرق الأوسط: في 14 أيار أعلن استقلال إسرائيل، والهاجناه مجموعة صهيونية مسلحة كانت قد قامت بمجموعة هجمات خطيرة، باتت ستصبح الجيش الرسمي للدولة الحديثة. كما يعرف كل العالم، كان قيام إسرائيل عن طريق استيلاء واستيطان الأراضي التي يملكها العرب، وآلاف من العائلات اضطرت لإخلاء بيوتها، وهو سمي فيما بعد ذلك بالنكبة؛ تهجير جماعي وامتلاء العالم العربي بمئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين، الذين منعوا من العودة.
منذ ذلك الوقت، لم تتحسن الأمور كثيرا، وكل محاولات السلام في المنطقة (دائما مزعزعة، دائما مرتجفة) تجمدت. في الوقت نفسه، تقوم إسرائيل بالحفاظ على احتلال منظم وغير شرعي، وكثير من الذين يواجهون آلية الاحتلال هذه يتم زجهم في السجن.
هذا العمل يتحدث عن سجون ومعتقلات. في الثمانية وأربعين صندوق نجد خيال خشبي محروق (بدون وجه، بدون اسم)، يرافقه رسائل المسجونين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، رسائل ممكن قراءة أجزاء منها.


بالتأكيد تتحدث الرسائل عن حياتهم اليومية وعن قلقهم، يسألون عن أبنائهم ونسائهم، كيف حالكم وماذا تفعلون،......، رسائل مثل الذي يمكن أن يكتبها أي شخص خارج بيته وبعيد عن عائلته. ولكن هي رسائل محبوسة معهم، والرد عليها، إذا وصل، سيقرأ مرارا وتكرارا حتى تهترىء، لأنه هناك في السجن هذه الخيالات بدون وجه ولا اسم، ولا يسمحوا لأنفسهم أن ينسوا من هم.

بعكس المذكرات الرسمية في سجلات المسجونين، التي كان "فوكولت" يعشق البحث فيها وما كانت تأتي بأي جديد عن الأشخاص بل تبقيهم على أنهم "المجهولين" كما يذكر "پاردو"، هذه الرسائل تحكي عن المسجونين وبفضلها كل واحدة من هذه الخيالات لها اسم سيبقى في الذاكرة، حتى ولو كتب عنهم من جديد (مرة وألف مرة) القصة الكبيرة.

لهذا السبب نجدها مقفلة برفق في صندوق زجاجي، سجينة ومحمية في الوقت نفسه بحروفها المختلفة من الأيادي المختلفة. ويمكننا عن طريقها أن نقوم بالعمل المؤلم وهو قراءة الألم، لان في هذه الأسماء نجد كل الأسماء، أولئك الذين يبحث عنهم ساراماغو دون كلل.