.
 
   

الإبداع و السقيع - الذكريات

 

في ليلة عاصفة من ليالي رام الله وتحديدا في الزمهرير، شدني حنين ورائحة لا تقاوم. وددت أن أطير إلى مرسمي لأوشح بالنهار ذكريات حفرت عميقا في ذاكرتي. إن نفسي وذاكرتي تتحفز حد الجنون في المناخ المتطرف وأعرف استحضارها للأمكنة والأزمنة والأحداث عن طريق الروائح.

 

هذا الزمهرير الجميل أعادني إلى مقارنته بكل أنواع البرد، الذي مر بي، بدأت بصقيع جباليا في الصباح وتحديداً ذهابي الباكر إلى مدرستي" مدرسة أبو حسين" وتلصصي في الدخول إلى غرفة الناظر، كنت أقف خلف جذع شجرة كينيا ضخمة منتظرا فتح غرفة ناظر المدرسة بشغف لا يقاوم ، ومنتظراً أكثر انصراف الآذن لشؤون المدرسة الأخرى فأدخل متلصصاً أهيم عشقاً في تلك اللوحات المعلقة على جدران الغرفة، إلى أن جاء حظي السيئ فضبط متلبسا في صباح أتى فيه الناظر أبكر من المعتاد، ونلت ما يحلو من عقاب على أصابع طفل متجمد من البرد.
وانتهت رحلتي بصقيع الإسكندرية، وعرجت على برد الصحراء الدافئ،ربما بالتشكيل أقدر على نقل أدق التفاصيل من هذه الإحساسات وأستخدم أقل الوسائل للوصول. ولكن هذا الطقس فرض لغته الخاصة. فلا أستطيع أن أشتم رائحة الخشب وأنا ألسعه بناري كي ينطق، سأستعيد بحميمية هذا الطقس ودفئ الذاكرة لأتتبع خطواتي الأولى في الإسكندرية. من الأنغوش وكليوبترا الى كوم الدكة وسيدي جابر وإلى الإبراهيمية وذاك القمر المختفي في ليل الإسكندرية البارد إلى طفولتي الفنية والتي رسمت أول الفن وأول الكلام بالنسبة لي.
لم تحفر عميقا في ذاكرتي الخمس سنوات الأكاديمية التي درستها هناك ولم تجعل مني تلك السنوات فناناً ، ولكنها لحظات وذكريات وطقس ورائحة. اختلطت بطفولة جباليا وخلقت مزيجا أجيد التعبير عنه بالرسم أكثر بكثير من هذه الكلمات، ولكن الطقس يحول بيني وبين مرسمي .

تعصف بي الذكرى وتأخذني في هذه العواصف إلى متحف ((محمود سعيد)) وأستذكر القصر ببهوه وأعمدته التي استطالت في لا شعوري أكثر من واقعيتها التي لا تزيد عن الثلاثة أمتار، وأصبح البناء أكثر فخامة في ذاكرتي، كنت أقيس الأشياء كما أعرف، مخيم جباليا والذي لا يزيد ارتفاع أعلى شباك فيه عن الأرض بالمتر ونصف، ناهيك بأني أعرف أغلبية شبابيكه التي تتساوى مع الأرض وأعرف إعدادا أخرى من الشبابيك التي يكون منسوبها 5 أمتار تحت سطح البحر.


أخذني هذا الفنان المرهف وصفعني بالوجوه النضرة وتصويره الدقيق للحفلات الأرستقراطية ولحقبة من تاريخ مصر عاصرت الفترة الباشوية واللحظات الأخيرة من زوال حقبة من الحكم التركي لمصر. كان الفنان محمود سعيد أمينا في حزنه على زوال هذه الفترة وكان تعبيره أمينا في توثيقها.

ويأخذني هذا الزمهرير دون أن أدري إلى شخوص ((عبد المنعم مطاوع)) هذا الفنان الذي مات فقيرا في كفر الشيخ، والذي أسس في بواكير أعماله مدرسة فنية، استفاد منها الكثير من زملائه وخطوا لهم رؤى تشكيلية استندت كل منها على إحدى مفردات وعناصر هذا الفنان الموهوب، والذي لم يملك ثمن الألوان وقماش الرسم، كان يذهب إلى أصدقائه يرسم في بيوتهم ويترك لهم أعماله، وصل هذا الفنان حد الهوس الفني في سبر أغوار القرية والشخصية المصرية والتي تمتد آلاف السنين صور فيها الحزن والصبر والثبات وحب الأرض.
كانت ألوانه وخطوطه تفيض عبقرية وتنتشر كملح الأرض بين زملاءه الذين تقاسموه ومات فقيرا في كفر الشيخ. ومنه إلى فنان الإسكندرية الشهيد سعيد العدوي والذي رسم بألوان الحياة الأولى ألأبيض والأسود. وغاص عميقا في شخصية مصر وتحديدا الحياة الشعبية.
وأستحضر بصريا بذور أرض مصر بشعبها الصابر والمهمش قسراً ليخلق أبطالاً أسطوريين ينسجون تفاصيل الحياة ويبنون مجد مصر عبر أشخاص مجهولين، يذكروننا بعظمة الأهرامات وبشخصية مصر الصابرة الحكيمة وبجيش من الشخوص المجهولين البسطاء الذين ينسجون فضاء اللوحة بالأبيض والأسود ليقولوا ببساطة هذه مصر.

تلح علي حادثة رغم محاولاتي اللاشعورية في تجاهلها ولكن هذه البرد ملحاح في أمانته. كنت كل صباح في إحدى سنوات دراستي معتاد وبشوق الذهاب إلى أعرق أحياء الإسكندرية الحي الذي أنجب واحدا من أهم عباقرة الموسيقى العربية "سيد درويش" حي ((كوم الدكة)) هذا الحي الشعبي والذي يتوسط الإسكندرية الحديثة. كنت أصحو صباحا وأجد نفسي أرتجف استعجالاً وبرداً لأقوم بطقسي اليومي الرسم في حي كوم الدكة. وفي أحدى المرات نازعتني نفسي للخوض في غمار تعاطي الشيشة "المعسل" فجلست في أحدى مقاهي الحي الشعبية والتي اعتدت على شرب الشاي وتناول وجبة إفطارعظيمة فيها وكانت دائما وابدأ الفول والطعمية. نظر الجارسون الي مندهشا ذات صباح عندما باغته بطلب واحد شيشة، فطريقتي في الطلب كانت احترافية كالذين لهم باع طويل وخبرات لا يشق لها غبار في فن تعاطي الشيشة، فأحضرها الجارسون على عجل ونظرات الاندهاش منه لم تفارقني، إتكئت على الكرسي واتخذت وضع الفاتحين ورميت الجارسون بنظرة استعلاء، وبدأت حواري الأول مع الشيشة فسحبت النفس الأول والثاني وبدأت الشيشة تنفذ من فمي رياح الخامسين وإذ بها أكوام من الأتربة تتدفق إلى فمي، فصحت محتجا على سوء اختيار الجارسون لواحدة من الاراجيل الغير نظيفة، وتلفظت بكلمات نابية عن الصبي الذي يقوم بتحضير الأراجيل ونعته بصفة الجاهل، وكل ذلك بلهجة المخضرم والخبير في شؤون المعسل والجهبذ في هذه الصناع، وبينما كنت ازبد وأرغي وهدأت العاصفة وجدت الجارسون يقف أمامي يحبس ضحكاته المكتومة محاولا تهدئتي بنظراته وعدم لفت انتباه الجالسين حولي أشار إلي بطرف أصبعه. فوجدت طرفا من البربيش في فمي ، اما الطرف الآخر فكان ملقى على قارعة الطريق يتسول ما لذ وطاب من الأتربة في الشارع، هذا جزء صغير مما أثاره ثلج رام الله، ادفئ به نفسي واحبس اجزاءا مرغما لأتنفس به غدا وحيدا في مرسمي باللغة التي أحب وبأدواتي البسيطة والتي انفث جزءا من روحي الساكنة بسكون هذا الليل وبهدير العاصفة والتي تطرق أبواب رام الله الآن. ربما نلتقي عبر هذه الصفحات في مناخ آخر أو رائحة أخرى شرط أن يكون هناك مانعا بيني وبين مرسمي وما أكثرها ولم يكن هذه المرة الاحتلال هو السبب .

تيسير بركات